‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تاريخ. إظهار كافة الرسائل

26‏/08‏/2015

كتاب أصداء الشهادة الجزء الثاني حول القديح والعنود


 للقراءة والتحميل: https://goo.gl/NJshqH



بعد مجزرة الدالوة المروعة التي وقعت في ليلة العاشر من المحرم من هذا العام 1436ه والتي وقعت في حاضرة الأحساء، بعدها بعدة أشهر طلعت علينا الجماعات الإرهابية المتطرفة من جديد بعمليتين إرهابيتين استهدفت المكون الشيعي في حواضره الأخرى شرق المملكة العربية السعودية، حيث وقعت مجزرة في القطيف من خلال استهداف مسجد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في قرية القديح في يوم الجمعة الرابع من شهر شعبان، وأتبعها محاولة استهداف مسجد الإمام الحسين عليه السلام في حاضرة الدمام في الجمعة التالية يوم الحادي عشر من شعبان.
هذه الأعمال الإرهابية حفرت في صلب نفوس وأرواح أبناء المنطقة بحيث لا تعد أحداثاً عابرة، وإنما هي محطة دموية زودت الناس بالكثير من المشاعر، وأسست لوعي جديد وأسلوب جديد، ينطلق بالمجتمع نحو أفق جديد محفوف بالدماء والخطر.
ولأن كثيراً من المطالب التي رفعها العقلاء في هذا الوطن – والتي رصدتها في الجزء الأول من هذا الكتاب – لم يتم أخذها بعين الاعتبار، بل على العكس، كثير من الأخطاء أخذت بالتصاعد، لذلك فإن ردود الفعل اختلفت حدتها التي تصاعدت إلى حد كبير، فلا الإعلام الرسمي وشبه الرسمي خفف من حدة خطابه المستهدف للشيعة، ولا الصحافة والإعلام أوقفا التحريض، وقبل ذلك لم يصدر من الجهات الرسمية اعتراف واضح بأن الشيعة مسلمون، هذا بالإضافة إلى تخوين كثير من المواطنين الشيعة ونسبتهم إلى "المشروع الإيراني" عبر كثير من وسائل الإعلام.
كل ذلك بالإضافة إلى إراقة دماء أبناء هذه الطائفة الذي لا لمبرر إلا هويتها المسحوقة والمكفرة في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، كل ذلك ساهم في رفع الشيعة صوتهم بمطالبهم التي تضمن لهم الحماية والأمن والمحافظة على تدينهم وبلادهم.
وفي هذا الكتاب قمت برصد ردود الأفعال والإدانات وحتى المجاملات التي لم تكن تخلو من التحامل على الشيعة والاستماتة في تبرئة خصومهم من المحرضين فيما وراء سطورها. ردود الأفعال هذه التي صدرت في الخطب والمقالات والبيانات والقصائد والمواقف التي وردت حول فاجعة "شهداء المحراب" التي وقعت في القديح، والوقفة البطولية التي وقفها "حماة الصلاة" في الدمام، وذلك في تبويب شبيه بما سرت عليه في الجزء الأول من هذا الكتاب والذي كان حول شهداء الدالوة.
ولم أفصل بين الحادثتين في هذه الأبواب رغم ترتيب المقالات حسب الأسبقية وذلك لوحدة سياق الحادثتين رغم بعض الفروق بينهما، فما حدث في القديح هو غدر وهجوم من الخلف وقد "وقع الموت عليهم"، وأما ما حدث في الدمام فهو رصد للجاني وافتداء للمؤمنين بالأرواح، أي إنهم "وقعوا على الموت"، وما داموا على الحق فإنهم لا يبالون أوقعوا على الموت أم وقع الموت عليهم كما يقول سيد الفداء علي الأكبر بن الإمام الحسين بن علي عليهم السلام.
وأضفت هنا توثيقاً للحدث مع عرض للمقدمات وتعليق على بعض ردود الأفعال التي كان لابد من الوقوف عليها، متحرراً في هذا الجزء من العمل تحت مزاج أحد كما حدث في الجزء الأول، حيث عملت بما تراه اللجنة مناسباً، ومع ذلك فإن الكتاب لم ينشر من قبلهم ولا تمت الإشارة إليه بعد نشره على الإنترنت.
وبحسب متابعتي فإن هناك من المؤمنين المهتمين بتوثيق هذا الحدث من عمل على توثيق كل حادثة من الحادثتين على حدة، وفي ذلك من الأهمية الشيء الكثير، لأن تلك الجهود قد تسلط الانتباه على دائق أمور ربما يفوتني ذكرها بسبب بعدي الجغرافي عن موقع الحدث وقت العمل، بالإضافة إلى أن الإخوة عملوا على ذلك وهم في الوطن، وهذا يعطيهم ميزة عني لا يجب أن يغفلها المتتبع.
وللحيلولة دون تشكيل البعد الجغرافي ثغرة كبيرة في وجه هذا الكتاب فقد تعاون معي بعض المؤمنين في الوطن للوصول إلى بعض الحقائق التي لم أتمكن من الوقوف عليها من خلال وسائل الإعلام وذلك عبر التواصل السهل بالوسائط المختلفة، فلهم جزيل الشكر على كل ما قدموه في سبيل هذه القضية من تعاون ومن عمل شاق في مواكبة الأحداث بالمساعدة والمشاركة ورفع صوت الظلامة التي وقعت على شيعة أهل البيت عليهم السلام من الطغمة الظلامية الفاسدة.
وإن حق الشهداء لا يوفيه سفر ولا فيلم ولا مجلس، ولكن هذا العمل هو فقط محاولة لتخليد هذه الحوادث في الذاكرة المكتوبة، للاستفادة منها في المراحل القادمة، وأؤكد هنا على ما قلته في مقدمة الجزء الأول، أن هذا الكتاب هو بمثابة الهيئة الاستشارية لما فيه من الآراء المختلفة حول القضية.
ولا يفوتني التنبيه إلى عدة أمور هي غاية في الأهمية وذات علاقة صلبة بموضوع بيد أنها لا تدخل ضمن موضوع هذا الكتاب:
  • ·        تفجير مسجد الإمام الصادق عليه السلام في دولة الكويت والذي استهدف الشيعة أيضاً وتبناه داعش ونفذه سعودي من مدينة القصيم، فهو مرتبط بحادثتي القديح والعنود ولكنه لم يدخل في هذا الكتاب لعدة أسباب منها عدم إلمامي بتفاصيل المشهد في الكويت وأن في الكويت من هو أقدر على الكتابة حوله.
  • ·        تفجير مسجد قوات الطوارئ في مدينة عسير، فهو أيضاً مرتبط بهتين العمليتين وكذلك عملية مسجد الإمام الصادق، وكذلك نفذه تنظيم داعش، وهو خطير جداً من الناحية الأمنية من حيث اختراق قاعدة عسكرية، ولم يدخل في هذا الكتاب لعدم إلمامي بالحادثة بالشكل الكافي.
  • ·        امتناع مجلس الشورى عن النظر في قانون الوحدة الوطنية، وذلك رغم الحاجة إليه، فلم أفرد لذلك فصلاً، وإنما أشرت إليه في بعض الهوامش، كما نقلت بعض المقالات التي تناولته ومنها مقالات أعضاء سابقين في المجلس.
  • ·        كذلك يجدر الإلفات أن وزير التعليم الحالي عزام الدخيل قدم بعض الوعود بإصلاح مناهج التعليم، ولكن مناهج العام الدراسي التالي للحادثتين أتت غير مخيبة للتوقعات، ولكنها مخيبة للوفاق الوطني، حيث لم تخلُ من التكفير الصريح، ولعلي أو غيري نوفق في رصد ذلك في عمل مستقل.

وختاماً أسأل الله أن يحقن دماء المسلمين في كل مكان وأن يجتث شأفة الظالمين والمجرمين.

يوسف النمر     

مدينة دنفر، كولورادو



31‏/05‏/2015

لحظة استشهاد الفدائيين #حماةـالصلاة

عبثا يحاول كل منا رسم تلك اللحظة التاريخية التي طارد فيها القتيل قاتله وعانق الشهادة والبطولة .. ثم نتاثر جسده في كل بيوتنا .. كل شلو من هذه الأشلاء الطاهرة افتدى به أهل ذلك البيت من مجزرة كادت أن تقع.
ربما لم يسمع الكثير صوت الشهداء الأبطال وهم ينقضون انقضاض الشواهين على ذلك الضبع الغادر .. ووالله إنها صرخات حيدرية وصولات حسينية وفدائية عباسية .. فقد احتوشوه من كل جانب وهم في عتادهم الكامل .. كان سلاحهم سواعدهم التي التفت عليه ومنعته من الاقتراب من مسجد الله .. وكانت متاريسهم صدورهم المفعمة بالشجاعة .. وكانت وثبتهم الهصور لحظة من اللحظات الخالدة.
عندما يرتعد المجرم خوفا من ضحيته .. وعندما يهرب المسلح من الأعزل .. وعندما يختبئ القاتل في عبائة العار ويرفع القتيل هامته في وجه القاتل.. تكون لحظة تراجيديا يكتبها الله ويشهدها الملائكة وترتعد منها الشياطين.
عبثاً يبحث القاتل عن إرهاب أخذوا الشجاعة من منابعها الأصيلة.
"أيها الأحمق .. هل تهدد بالموت عشاق الحسين وهم الذين لا يبالون أوقعوا على الموت أم وقع الموت عليهم" .. هكذا كانت وقفة أهالي الشهداء الذين استبشروا بشهادتهم أكثر من استبشار من يبشر بوليد جديد.. كيف لا وهم يعلمون أنهم يزفون إلى الجنة .. الجنة التي يستقبلهم فيها النبي وأهل بيت النبي .. جنة النبي .. وليست جنتكم التي تتصورونها داراً طافحة بالبغايا والماجنات.
في هذا المشهد القصير قصر اللحظة والطويل طول الدهر .. تتجلى المعركة بوجها الحقيقي .. إنها معركة المفاهيم .. وهي معركة الأخلاق .. وهي جولة بين الحق والباطل في إطار معركة طويلة بين الشيطان وزمرته وبين عباد الله المخلصين.
وهذه المعركة لابد ممتدة عبر القادم من الأيام .. وما لا يعلمه المجرمون أن كل ضبع منهم تسول له نفسه الشيطانية أن يعتدي على مقدساتنا سوف يواجه بنفس القوة والعزيمة .. بل إن الشهداء الأبرار زرعوا في نفوس كل شبابنا هذه الروح التي تفتدي المقدسات بكل شجاعة.. وليس فينا من يخاف الموت..
تحية بحجم الشهادة للشهداء وذوي الشهداء .. وتحية بحكم الفداء لشبابنا الغيور الذين يحصنون مقدساتنا بصدورهم العارية وسواعدهم القادرة على حماية الحمى.

11‏/08‏/2012

ناجي عطا الله .. كم يحتاجك المسلمون



مجموعة من الشباب الذي لا يفقه أبجديات السياسة ولا يفرق بين الحليف والعدو تمكنت من اختراق بنك في تل أبيب والحصول على خزينته والخروج من فلسطين المحتلة .. سيناريو خرافي وسطحي ويستهتر بأقدس قضايا الأمة .. القضية الفلسطينية .. ولكن بعيداً عن واقعية السيناريو فإن عادل إمام ( ناجي عطا الله ) حينما أخذته شخصياً الحمية على ماله الخاص الذي جمده البنك استعان بمجموعة من الشباب الحالم لاسترداد حقه المغتصب من إسرائيل مقابل تحقيق أحلامهم التي لا تتجاوز العيش الكريم.

الذي فات الكثير من متابعي المسلسل هو هذا المفصل: العزم والسعي.
خلال العامين الماضيين رأينا الأعاجيب من قدرة هائلة للشعوب في التمرد وتغيير الواقع بشكل مخالف للقناعة السائدة لدى الشعوب العربية أنها شعوب العجز والطاعة والخذلان .. وكان إذا تكلم رجل الشارع في الساسة  كثيراً قيل له: حرر القدس ثم تكلم!

ولكن - وأمام قضايا مختلفة عن القضية الفلسطينية اقتنع العربي الفقير أنه لن يخسر شيئاً إذا تحرك في وجه الحاكم الظالم .. فكانت الحركات الشعبية التي تفجرت من تونس غرباً وزحفت شرقاً حتى وصلت إلى البحرين .. وحتى من يتمتع بوضع اقتصادي جيد في بلده لم يصرف النظر عن الدول التي تشهد هذا الحراك الحر .. فتجده قد بذل ماله في سبيل التغيير في بلد أخرى .. أو انشغل بالمتابعة الإعلامية الجادة لأنه يرى القضية قضيته شخصياً .. حتى بات العرب يعلمون علم اليقين أنهم قادرون على تغيير الواقع من أجل الوصول به إلى شكل أفضل.

هذا الشعور العربي العام تجاه ظلم الحكام لهم هو عينه الشعور الذي انتاب ناجي عطا الله عندما وجد نفسه في أروقة المحكمة الإسرائيلية .. فلم يفكر بصعوبة ما سيقدم عليه بقدر ما كان عازماً على فعله بالقانون أو بغير القانون .. أو كما يقولون في التعبير الشعبي ( الحق أو بالباطل) فجمع الكوادر التي يحتاجها في خطته وقام بالتنفيذ بنجاح.

فلو كان شعور ناجي عطا الله بالمظلومية موجوداً عند كل عربي .. ولو عمل كل شخص بمقتضى طبيعة عمله في سبيل إنجاح فرقة ناجي عطا الله (الكبرى) .. كأن يكون في كل دولة عربية حملة جمع تبرعات لتسليح الشعب الفلسطيني وتزويده بالتقنية المطلوبة والقوة اللازمة .. و تطوع من يريد لمساعدة هذا الشعب بالإعلام وتبيين ما يقع على هذا الشعب من مظلومية أمام العالم..

وذهب من يستطيع الذهاب إلى هناك لإيصال المواد الغذائية والأموال والسلاح .. وعمل من يستطيع العمل على إحراج إسرائيل دولياً من خلال أعمال إنسانية علنية تمنعها إسرائيل .. وتظافرت القنوات الإخبارية في سبيل تغطية الحراك العربي الكبير لتحرير فلسطين ..  وكانت تلك الجهود مفعمة كلها بالهدف الواحد الذي يمس كل مسلم مساساً شخصياً لأنه يرى إسرائيل تعتدي على شعبه وأهله في فلسطين..

لو كان كذلك لهربت إسرائيل قبل أن يتعرض لها أحد وبحثت لها عن أرض أخرى فوق القمر أو تحت البحر..

أقول لو!!!!!

ولكننا أصبحنا نرى أن قضية فلسطين هي قضية الفلسطينيين .. بل إننا أصبحنا نرى بعض المسلمين كالإيرانيين أخطر علينا من إسرائيل .. وافتتن الشيعة والسنة ..ووقعت المنطقة العربية في حالة (تشرذم ثوري) فمن يقف مع الشعب البحريني اتهمه الآخرون بموالاة نظام الأسد .. والعكس بالعكس .. بل إن البعض أصبح يستنكر عدم خروج مظاهرات تأييدية لثورته في فلسطين.. وكأن الفلسطيني يعيش منعماً لا هم له ولا شغل إلى متابعة هذا وذاك..

لقد تخلينا عن هذه القضية شعوباً وحكومات .. وأصبحنا نراها قضية تاريخية لا ينبغي الكلام عنها .. وبتنا نتهم الشعب الفلسطيني بتضييع قضيته الشخصية .. ونرى متابعتها مضيعة للوقت .. وأحسب أننا في طريق خلعهم من الأمة دينياً أيضا  .. لأننا كنا نشاركهم القبلة ولكنها قبلة أبدلنا الله خيراً منها ولم يعد لما بها حاجة.

20‏/08‏/2011

كيف نقرأ الحدث التاريخي ؟؟


تلعب صياغة الخبر دورا كبيرا في الانطباع الذي سينطبع في ذهن المتلقي، وذلك لأن أحاسيس ورؤية الناقل تمتطي المفردات المختارة, فتسوقها بما يصل إلى مقاصده وغاياته.
لذلك لا يكتفي المهتمون بقراءة الأخبار بمصدر واحد, بل تراهم يتابعون نشرات الأخبار في عدد من القنوات, المقروءة منها والمسموعة والمرئية, مع مراعاة اختلاف الجهة التي تسوق الخبر, وذلك لأن القنوات الإعلامية -للأسف- غالبا ما تكون تابعة لجهة ما، تخدم مصالحها وتوظف صياغة الأخبار بما يتناسب و أهدافها.
المؤرخون كذلك غالبا, لأنهم كانوا يلعبون نفس الدور في ذلك الزمن, فإذا ما رأينا قنوات الأخبار تغير معالم الخبر, إلى حد أنك ترى الخبر في قناة ما فتفرح, وتراه في غيرها فتبكي, والحدث لا يبعد عنك زمنيا سوى لحظات, ومكانيا سوى أميال, فما بالك بأحداث جرت قبل ألف من السنين أو يزيدون؟!
لذلك, لا يمكننا أبدا أن نكتفي في قراءة التاريخ بمؤرخ واحد, أو عدد من مؤرخين ينتمون إلى نفس الجهة الفكرية أو الدينية أو السياسية, إلا القليل القليل من أهل التجرد, وهم أيضا لا يتمكنون من الحيادية في كل شيء, بل علينا أن ننظر إلى أي قضية من جميع الأوجه التي نتمكن من النظر منها, وبعد ذلك, وبمراعاة المقاييس العادلة التي سنتها السماء في الحكم, نستطيع أن ندعي أن انطباعاتنا قد اقتربت أكثر إلى الصواب.
في السطور الآتية نقوم بإيضاح هذه الفكرة, عن طريق نقل حوار مجرد, وبعد ذلك, سنقوم بعرض الخلفيات الفكرية والتاريخية التي سبقت هذا الحدث من جهتين مختلفتين, لنرى بأم العين, كيف أن المؤرخ يقوم بدور يشبه دور مسؤول الإضاءة في الأعمال المسرحية, فيسلط الضوء على ما يريد, ويترك ما يريد خلف ستار الظلام.

أبو سفيان بن حرب يوم فتح مكة المكرمة

عن العباس عم النبي "ص" وهو يتحدث عن معسكر النبي يوم فتح مكة المكرمة - حيث كان أبو سفيان في المعسكر وقد استجار بالعباس- أنه قال: "فلما دخل رسول الله "ص" الصلاة كبر وكبر الناس، ثم ركع، فركعوا، ثم رفع، فرفعوا، ثم سجد فسجدوا.
فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم طاعة!! قوم جمعهم من ههنا وههنا!
ولا فارس الأكارم! ولا الروم ذات القرون بأطوع منهم له!
يا أبا الفضل!! أصبح ابن أخيك والله عظيم الملك.
فقال العباس: أنه ليس بملك، ولكنها النبوة.
قال: أو ذاك؟!"

وقفة تأمل:
هذا المشهد, يمكننا قراءته من عدة زوايا, نصل بكل واحدة منها إلى نتيجة مختلفة عن الأخرى, وهنا سنكتفي بقراءته من زاويتين فقط, مع مراجعة الخلفيات الفكرية, والرواسب التاريخية التي ساهمت في صناعة هذا المشهد, وبعد ذلك سنتمكن من فهم هذا الموقف فهما صحيحا.

القراءة الأولى:
ما أعجب هذا الرجل, الذي جاء بدين جديد, يرفع فيه العبيد والأحابش إلى مرتبة الزعماء, ولا يفرق بين العرب الأعزاء, وبين البربر والعجم, ولا يضع أي اعتبار لما تحتويه خزائن التجار الكبار من أموال يمكن من خلالها شراء أي شيء, واستمالة أي قلب.
إنه لا يقيم اعتبارا لأرباب القوافل من العرب, ولا لشيوخ قبائلها, كما أن معاييره في التقييم مختلفة, فلا يهمه الثراء ولا اللون ولا الأصل, فالجميع عنده سواء!!
لقد طمع في السير خلفه الذين هم أراذلنا, والبسطاء, والعبيد, فهو يعلي أقدارهم, ويرفع من شأنهم, وهم أهل ذلة, لا يصلحون لشيء, إلا لخدمة علية القوم وتنفيذ أوامرهم فقط.
هو رجل غريب!
لقد عرضنا عليه أن يكون ملك قريش, وزعيم العرب, مقابل ترك هذه الدعوة, التي أفسدت عقول الناس, إلا أنه رفض ما لا يرفضه عاقل, ولا يصل إليه بجهده واصل.
وغلماننا الحمقى! لقد ضربناهم, وأذقنا جلودهم رمضاء مكة الملتهبة, ومرارة السياط الموجعة, وحرارة النار, إلا أن ذلك لا يزيدهم إلا عنادا وملاججة!
يا عبيد السوء! ألا ترون اللات والعزى! ألا ترون أساف ونائلة! ألا ترون هبل! إنها شامخة عالية, تركع أمامها العرب قاطبة, وتقصدها القبائل من كل مكان!
ونحن! ألا ترون أننا ننعم عليكم من فاضل طعامنا, بينما يربط محمد على بطنه حجر الجوع؟!
كيف تفضلونه علينا, وهو فقير جائع, ونحن أغنياء؟! وكيف تتركون آلهتنا, وهي شامخة أمامكم, موجودة يخضع لها الناس, بينما ربه لا يحس ولا يجس, ولا يغدق عليه من النعيم ما يجعله ملكا, ولا يرسل له جنوداً من الملائكة نراها؟!
لا فائدة منهم! فقد أغوتهم الأطماع, التي يسوقها لهم نبيهم, فيخدعهم بجنة وحور عين.
واعجباه!!
أبو طالب! شيخ البطحاء! صاحب الكلمة المسموعة! والرأي السديد! والعقل الراجح! وابن عبد المطلب!! كيف له أن يدخل في طاعة ابن أخيه؟! والحال أن محمدا كان يجب عليه أن يطيع عمه؟! كيف؟!
إن هذا يخالف الأعراف والخلق, بشكل سافر لا يحتمل السكوت!
ما الدافع يا ترى؟! الذي يدفع أبا طالب إلى الإيمان به, وإلى الاستماتة في الدفاع عنه؟! هل عند محمد ما ليس عند زعماء قريش؟! ألا يرى أخاه أبا جهل, كيف يتصدر أندية قريش؟! وكيف لا يجسر عليه أحد ؟! لماذا يترك عزته التي ورثها عن آبائه وأجداده؟!
مصعب بن عمير! ذلك الفتى المترف! الذي يعرفه المارة من رائحة عطره! ويحسده الشباب على جماله والخير الوفير الذي عنده! ما الذي يدفعه إلى دين محمد, وترك النعيم الذي هو غارق فيه؟! ما الذي يدفعه إلى تحمل العذاب والحبس والقيد؟! إن هذا لأمر عجاب!!
كيف تمكن محمد من خداعهم جميعا بأوهامه التي يصوغها لهم؟!
-علينا أن نتصرف! ونفعل أي شيء في سبيل إيقاف سيل الفساد هذا, الذي سيجرف الناس جميعاً.
-علينا مصادرة أموال من يتبعونه حتى لا نمنعهم من إعانته.
-لا! هذا لا يكفي! بل علينا أن نفعل أمرا أكثر صرامة!
-علينا أن نقتله! نعم. نقتل هذا الرجل – محمد – دفعا لما جاء به من فتنه أفسدت بيوتنا, وأفسدت علاقاتنا الاجتماعية, وجعلت الرجل منا في خلاف مع زوجته, ومع ولده ومع غلامه, وجاريته حتى! وهذا أمر غير مقبول!!
كيف يا ترى تمكن من الفرار وقد أطبقنا عليه الحصار؟! ألم نقل لكم إنه ساحر؟!
عجيب أمر أهل يثرب! المنشغلون في قتل بعضهم! كيف توحدوا كلهم تحت رايته, وقاموا بالهجوم على قوافلنا ونهبها! لماذا؟!
ما الذي وجدوه عند محمد يدفعهم إلى التعدي على قريش؟! قريش زعامة العرب الكبرى, وصاحبة النفوذ الأعظم بين العرب!
كيف لهم أن يهاجموننا بسعف النخيل والعصي والحجارة راجلين, فيلحقون بجيشنا الجرار أعظم الهزائم؟! ونحن الفرسان الشجعان أصحاب العدة والعتاد!
كيف لم نتمكن من قتل محمد في أحد؟!
كيف استطاع علي بن أبي طالب - وهو الشاب الصغير - أن يواجه الجيوش الجرارة بمفرده, وأن يدحرها؟! ألسنا أعمامه وبني عمومته؟! كيف يطاوعه قلبه على محاربتنا وقتالنا بهذه الشراسة, التي لا يمكن أن نراها إلا عندما يواجه العدو عدوه؟!
كيف له أن يرد علينا عندما قلنا: اعل هبل! اعل هبل؟!
اسمعوه يصيح: الله أعلى وأجل. الله أعلى وأجل!
لقد حقر من آلهتنا التي يعبدها العرب قاطبة, منذ مئات السنين! وهذه جريمة في حق ديننا, ودين آبائنا الطيبين.
إن محمدا هذا, استطاع - بسحره وقوة بيانه - أن يخدع الناس, من أجل الملك! نعم الملك! الذي يمتد على جزيرة العرب كاملة! وإلا ما الدافع الذي يدفعه إلى تجييش الجيوش وإرسال الكتب إلى القبائل يدعوها إلى دينه؟!
لكننا سنقف له بالمرصاد!
واعجباه!!
كيف لم تتمكن أحزاب العرب من هزيمة هذه الشرذمة, المحاصرة في يثرب, أو كما سماها محمد المدينة؟!
هم أبطال العرب, الذين لا قبل لأحد بهم, وحسبنا عمرو بن ود الذي يعد بألف فارس!
كيف استطاع علي أن يقتله؟!
اسمعوا محمداً يصيح: برز الإسلام كله إلى الشرك كله! انظروا كيف يخدع أصحابه بالكلمات الرنانة, والشعارات الزائفة!
إنه يدعي أنه مرسل من عند الله! ألم يجد الله أحدا من أغنيائنا أجدر منه بالرسالة؟! لماذا هذا الكذب, وخداع البسطاء من الناس بهذا الكلام المعسول, الذي يحرضهم فيه على عصياننا؟!
علينا أن نقوم بواجبنا في إبطال دعوته الجديدة!
انظروا إليه كيف يغسل وجهه, فيتهافت الناس على هذه القطرات!! والماء وفير!!
انظروا إلى صحبه كيف يكبرون إذا كبر, ويركعون إذا ركع, ويرفعون إذا رفع, ويسجدون إذا سجد, وكأنهم لا يفقهون إلا أوامره!
إنها طاعة لا مثيل لها, ولا مبرر لها إلا الخديعة! التي انطلت عليهم جميعا, فأطاعوه بما لم تطع به الشعوب الأخرى ملوكها!

"يا أبا الفضل!! أصبح ابن أخيك والله عظيم الملك."


هذا هو الواقع من وجهة نظر بعض أهل ذلك الزمن.
في القراءة الثانية سنقوم باستعراض نفس الفترة الزمنية, ولكن من زاوية تمثل وجهة النظر الثانية في الزمن نفسه.

القراءة الثانية:
ما هذه الحياة الحجرية المادية, القائمة على استغلال الضعيف, وتبجيل أصحاب الأموال, مهما كانت إنسانيتهم في الحضيض؟!
كيف لهذه العصابات, التي تتسلط على رقاب الناس, أن تمنح نفسها حق ملكية الإنسان؟! الإنسان الذي دخل هذه الحياة حراً, تماما كما دخلها غيره من الأحرار؟!
لماذا يعتبرون أبا لهب - الفاجر الذي لا خلق له ولا حمية - أفضل من بلال بن رباح, ذلك الفتى المتزن العاقل, الذي يحمل في نفسه طموح الإنسان, وطاقاته المتفجرة التي لا تعرف الحدود؟!
ألا ترون وجه هذا الرجل, كيف اسود عندما بشروه بالأنثى؟! ألـم تكن زوجته أنثى وأمه أنثى؟! انظروا إليه وهو يحفر لابنته حفرة, ويدفنها حية!! يا لقلبه الحجري, الذي لا يعرف غير الدينار والدرهم!! إنه لا يقدر حتى شعور زوجته وصاحبة حياته, التي عانت آلام الحمل والولادة؟!
انظروا إليه وهو يسحق كرامته, ويفسد عقله بشرب الخمرة!! كيف لأحد أن يقبل على نفسه الظهور أمام الناس, وهو يترنح مثل البهيمة المذبوحة؟!
ما أبشعها من حياة! هذه التي لا قلب لها, ولا ترق لأنين المظلوم, وتنظر إلى الأنثى على أنها أداة من أدوات المنزل, لا تعدو في - أفضل الحالات - أن تكون سلعة للبيع في السوق, أو سلعة للبيع بمهر كبير!
إن الحياة التي لا تقيم للروح والوجدان قيمة, والتي أصبح قلبها من الحديد, وجفت دماؤها من فرط ما انهمكت في عد النقود! إنها حياة لا تستحق الحياة!
إن الكون المظلم بحاجة إلى رشفة من النور تتقاطر في أفق المستضعفين الذين يحملون في وجدانهم آخر رمق للإنسانية.
ألا تسمعون؟!
إنه محمد بن عبد الله الصادق الأمين يدعو إلى دين جديد! يقول إن ربه خالق السماوات والأرض وهو ينزل (الغيث) من السماء ويصوركم في الأرحام كيف يشاء.
إن ربه خلق الناس سواء العربي والحبشي ويقول بأن ميزان التفاضل هو العمل على طاعته.
إن ربه يريد من الناس أن تكون علاقاتهم حسنة ببعضهم البعض قائمة على المحبة والمودة مهما كان الاختلاف فيما بينهم. أن يرفق بعضهم ببعض حتى المالك يجب عليه أن يرفق بمملوكه وأن يعامله بإنسانية لا أن يستغله أبشع استغلال كما يفعل هؤلاء.
إن ربه يأمر بالعدل وليس فقط العدل بل يأمر بالإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.
إنها شمعة الأمل التي أوقدت في زمنٍ كادت القلوب تخلو فيه من الحب وكاد الإنسان أن يصبح جسدا خاليا من الإنسان, لا يعرف الحياة, لا يعرف الأمل, لا يعرف إلا الطول والعرض والارتفاع.
نحن نعرف محمدا في خلقه وتعامله فلم نجد منه السوء في خلقه ولا نعلم منه كذبا. حتى هؤلاء كانوا قبل قليل يسمونه بالصادق الأمين فكيف بهم عندما جاء بهذا الدين صاروا يرشقونه بالحجارة ويسمونه: الساحر المجنون الكذاب الشاعر؟!
لماذا يريدون إسكاته بأي وسيلة؟!
لماذا يعرضون عليه ملكهم وأموالهم؟!
لماذا أصبحت قريش في هذا الاضطراب؟!
لماذا يضربون غلمانهم الذين آمنوا به مع أنهم لم يعلنوا عليهم العصيان؟!
لماذا هذا العنف وكأنهم في حرب؟!
انظروا إلى سمية وياسر كيف ماتا تحت وطأة التعذيب الشديد!! يا لهذه القسوة!! انظروا إليهم وهم يجبرون عمار بن ياسر أن يثني على اللات والعزى وهبل!! هل يعتقدون أنه إذا نطق بلسانه ما يريدون فإن قلبه سيؤمن بما هم به يؤمنون؟!
يا لهذه السطحية في التفكير!!
كلا ! ليست السطحية وإنما هو العجز عن المادة عن الدخول إلى عالم القلوب وتغييرها.
هؤلاء لم يدركوا أن القلوب النابضة بالحياة هي المساحات الواسعة التي لا تضيق بالكون وآلامه وآماله. هي القلوب التي نجد فيها الله قد أجرى أنهار الحب والرحمة المفعمة بالري الروي.
لكن القلوب الحديدية التي في صدور هؤلاء لا تدرك لذلك معنى فهي تكتفي بلقلقة اللسان لأنها لا تفقه أعمق من ذلك.
انظروا إلى مصعب بن عمير كيف ترك الترف واستجاب لنداء قلبه وكيف أدرك بأن الحياة أكبر من الزينة والبخور والطيب! وكيف تحمل من أجل المبدأ كل ما صبوه عليه من عذاب وكل المحاولات التي تكرست في سبيل سحق شخصيته وما يزال متمسكا بما جاء به النبي من تعاليم إنسانية نازلة من ساحة الله المفعمة بالخير للإنسان.
ليست هذه الاستجابة استجابة الأحمق بل هي تلبية لنداء القلب الذي أحياه حب الله فلم يعد الجسد ذا قيمة يستحق من أجلها التهرب من الحق والبقاء في مستنقع الأباطيل.
انظروا إلى جعفر بن أبي طالب ومن معه من المؤمنين كيف اختاروا حريتهم الفكرية وتركوا ديارهم ديار العرب وهاجروا إلى الحبشة تلك البلاد التي يحتقر العرب أهلها ويعتبرونهم عبيدا دون مستوى العرب!
لقد قامت هذه المجموعة بكسر كل الحواجز النفسية والاجتماعية المقيتة التي بناها طواغيت مجتمع قريش!
واعجباه!! انظروا إلى زعامات قريش كيف أصابها الذل وقامت بإرسال الهدايا إلى ملك الحبشة من أجل إرجاع أبناء عمومتهم وسحقهم وقتلهم؟! انظروا كيف أصاب قلوبهم العمى ونكسوا قيمهم التي توارثوها عن آبائهم من إجارة المستجير وإكرام الضيف فطلبوا من النجاشي تسليم جعفر ومن معه من أجل إفساد مشروع النبي محمد الذي جاء لهم بعز لا عز بعده لو أدركوه؟!
لكنه الطغيان في الأرض والتمسك بالمصالح إلى الرمق الأخير.
هذا ما لم نتوقعه!! لقد خرج محمد من أحب البلاد إليه! لقد خرج من مكة المكرمة فارّاً بدينه تاركا وطنه وأهله الذين كادت تذهب نفسه عليهم حسرات!
ها هو علي بن أبي طالب الذي ذاب في محبة أخيه وابن عمه يبيت في فراشه فداء له! إنه معرض لأسياف مشرعة تريد أن تنقض على جسد محمد فتفتك به كلها وتجعل دمه موزعا بين القبائل!
إن هذا الموقف يدل على قلب عامر بحب الله وطلب مرضاته وليست هذه الطاعة برجاء فائدة أو منفعة إلا إرضاء الضمير وخدمة الحق والقضية الإسلامية حتى بتقديم الأرواح لأن من أراد الحياة فعليه أن يطلب الموت وهذا ما لم يفهمه زعماء قريش.
لقد تغيرت الموازين في جزيرة العرب كلها. فهاهي قريش قد أصيبت بالهزائم وهي ذات الجحافل والجيوش! وأمام من؟! أمام فئة قليلة لا تملك من العتاد ما يكفي للقتال لكنها تحمل في قلبها الإيمان بقضيتها وهنا يكمن سبب النصر وسبب الطاعة التي يبذلها المحيطون برسول الله في تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه.
ليسوا بالمغفلين كما حاولت قريش تصويرهم. هم ينطلقون من وعي وفهم وإدراك لما هم يقدمون عليه وطلبا لرضا الرب الذي بيده ملكوت كل شيء.
وهاهم الآن يدخلون إلى مكة المكرمة دخول الفاتحين وهاهو قائد القوات المسلحة من قريش والتي تلطخت أياديها بدماء الكرام من أصحاب رسول الله أمثال حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وحنظلة غسيل الملائكة الذي ترك الحياة صبيحة زفافه وذهب إلى الجهاد وقدم نفسه في سبيل الله.
إنه أبو سفيان قد نكس رأسه الذل وقد جاء به الخوف من الموت فخضع للدين وهو لم يؤمن بالله طرفة عين ولم يتمكن عقله الضيق من إدراك فلسفة هذه الدعوة فهو لا يرى ما وصل إليه النبي إلا ملكا.
نعم إنه الملك في وعييه! ألا تسمعونه يصيح

"يا أبا الفضل!! أصبح ابن أخيك والله عظيم الملك."

النتيجة:

لقد لاحظنا كيف تختلف الآراء في الحادثة نفسها وكيف يجب على القارئ أن يتعدد في قراءته للأحداث.
وهنا لا أعتقد أننا بحاجة إلى ذكر نتيجة نستخلصها من خلال هاتين القراءتين إلا أننا نجد في الأفق سؤالا:
هل من العدل أن نجعل من حملة الرأي الأول وحملة الرأي الثاني طرفين متساويين في قضية واحدة؟!
أنا كإنسان أعتقد أن أبلغ جواب على هذا السؤال سيكون ما قال علي بن أبي طالب: مازال الدهر بي حتى أصبح يقال علي ومعاوية.



يوسف حسن اليوسف النمر
6 \ 5 \ 2009

13‏/08‏/2011

الحسن والحسين .. والفتنة



على مدى التاريخ تمر على المجتمعات البشرية قضايا عصيبة تختلط فيها الأمور وتتداخل فيها الاعتبارات مما يؤدي إلى حالة من التنازع لا يمكن لأحد من أطرافها أن يكسب شيء من دون خسارة شيء آخر, بل إنه يجد نفسه مضطرا إلى التضحية بجانب ما في سبيل اكتساب غيره.


وهنا سأحتاج إلى شرح بعض الأمور البديهية لتوضيح الرؤية.


مثلا, لو عطش أحدهم ولم يكن الماء موجودا إلا عند رجل منان فإن بعض الناس يقبل المذلة لشدة العطش وبعضهم يفضل الموت عطشا دون مذلة ولا منة من أحد.


فالأطراف في هذا المثال اثنان:


الأول: محتاج إلى الماء ومحتاج إلى حفظ كرامته أيضا.


والثاني: يريد إشباع شهوته بإذلال الناس مقابل الطاقة التي يمتلكها وهي الماء في المثال.


فقرار الإنسان في هذا الموقف سيعتمد على وعيه للمسألة وأبعادها وعلى تقديره للأمور, فربما يقدر بعضهم أن حياته معرضة للخطر إن هو لم يشرب الماء وهو مستعد لأن يضحي بكرامته مقابل الحفاظ على حياته.


وبعضهم يقدر أن حياته لا تساوي شيء إذا باع كرامته بجرعة ماء ، فاستمع إليه يقول:


وأظمأ إن أبدى لي الماء منة
ولو كان لي نهر المجرة موردا


بناء على ذلك سيختار الإنسان أحد أمور, فإما أن يشرب الماء ويبيع كرامته, وإما أن يموت عطشا محتفظا بكرامته.


وليست هذه هي الاختيارات المتاحة فحسب ، فبعضهم قد يقاتل من أجل الماء, لعله بذلك يحفظ حياته وكرامته، وغير ذلك من القرارات التي تتخذها الأذهان كل بحسب وعيه.


هذا الموقف وأمثاله يلزم الإنسان بمراجعة حساباته فيما يتعلق به (حياته وكرامته في المثال) وبالغرض الذي يريده (حفظ الحياة والكرامة) وبمن حوله (صاحب الماء المنان) وبالظروف التي تحيط به (محاولة منعه من الماء) فيقوم بعملية موازنة معتمدا فيها على وعيه, وتكون نتيجة هذه الموازنة أنه سيتنازل عن شيء ما مقابل شيء آخر, لذلك يجب عليه الحذر في اتخاذ القرار حتى لا يفرط في الأكثر أهمية من أجل الأقل أهمية.


هذا المثال هو نموذج مبسط جدا للفتنة، التي وإن كانت قاسية مرة في بعض جوانبها إلا أنها مرحلة لامتحان النضج الفكري والإرادة النفسية وربما حتى القوة الجسدية.


بل هي الامتحان الذي يفترض بالإنسان أن يدأب في حياته من أجل النجاح فيه، لأنه لا مجال للإعادة فيه أو إعادة موازنة الأمور المتعلقة به.


والتاريخ مشحون بالمواقف التي ضحى فيها عقلاء بأمور بالغة الأهمية في سبيل أمور أهم منها، وحمقى باعوا أغلى ما يملكون بتوافه الأمور.
ومع وضوح الأمر سأسوق له بعض الأمثلة من حياة الإمامين الحسنين




الإمام الحسن عليه عندما وضع في موقف اضطر فيه أن يختار بين أن يقاتل الظالمين ويكون في ذلك هلاك من بقي من حملة الدين وبقاء معاوية الذي آلى على نفسه إلا أن يدفن دين محمد، وبين أن يحفظ الدين بحقن الدماء والمصالحة وادخار الثورة لوقت تكون فيه أصلح للأمة, اختار الصلح بالرغم مما توهمه الكثير من الناس أنه استسلام وذل.


إن الموازنة فرضت عليه اختيار أحد أمرين, فتجرع غصص الصبر على ما كان به من أذى، ولقد عاب عليه ذلك حتى بعض أصحابه غير الواعين لأبعاد المسألة، وهذه تضحية عملاقة بالمكانة من أجل أمر أهم وهو الدين الحنيف.


وكذلك الإمام الحسين عليه السلام عندما وضع في مثل هذا الموقف (الفتنة) كان مطلوبا منه أن يحدد أيهما أولى: مهادنة الظالم وبها يكون موت الضمير الحي في قلوب الأمة, أم بث الحياة في قلوب البشرية ولازمه الشهادة.


فرفض عار المساهمة في قتل ضمير الأمة ومحو معالم الإسلام، وأطلق صرخته المدوية "الموت أولى من ركوب العار"
وصنع بالشهادة طريق الحياة الكريمة.


هذه أمثلة لتوضيح مسألة الفتنة في المجتمع, وأنها كلما ازدادت أطرافها وكلما تغيرت المطالب كل طرف وكلما كان مستوى الوعي أكثر تفاوتا لديهم فإن الفتنة ستكون مختلفة الملامح وستحتاج بطبيعة الحال إلى نوع مختلف من التضحية بحسب الحاجة، فأحيانا تكون التضحية بالنفس وأحيانا تكون بالجاه وأحيانا لا يفهمها الناس وأحيانا تكون واضحة وأحيانا يجني الإنسان ثمار تضحيته وأحيانا يجنيها غيره.


وأعظم بلية في الفتنة هي استغلال حاجات ومصالح وأهداف الغير من أجل الوصول إلى غايات شخصية بطريقة غير أخلاقية وغير مستندة إلى وازع من دين أو معاتب من ضمير.


هذه الطريقة هي التي سماها مولانا أمير المؤمنين بالفجور عندما تكلم عن معاوية وكيف أنه يستطيع أن يحقق أهدافه في الفتنة حين قال عليه السلام: وما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر.


لو نظرنا إلى معاوية وأساليبه الملتوية بأحد الأبعاد التي نظر إليها أمير المؤمنين لفهمنا  التالي: إن معاوية الذي لا تعييه الخديعة ولا تنقصه حيلة ولا دهاء وغدر ومكر في سبيل الوصول إلى هدفه, نجده وإن بدى رابحا في دنياه إلا أنه الخاسر الأكبر في الفتنة بل هو أكبر المضحين حينما قدم آخرته ضحية في سبيل الحصول على الدنيا.


ذلك أنه لم يزن الأمور بوعي، فدخل سوق التجارة وهو ليس من أهلها فخسر دنياه وآخرته.


إن من يقول بأن معاوية كسب الدنيا وخسر الآخرة بإنه واهم لأن معاوية لم يستطع حتى أن يحقق جميع أهدافه التي وضعها نصب عينيه، فهو القائل: "لا والله إلا دفنا دفنا".


وصدق المرحوم الشيخ أحمد الوائلي عندما قال:


راموا بها أن يدفنوك فهالهم
أن عاد سعيهم هو المدفون